خليل الصفدي

402

أعيان العصر وأعوان النصر

الشيخ كمال الدين قال له - وقد بدا فيه المرض في الرمل - : واللّه يا ولدي أنا ميّت ، ولا أتولى لا مصر ولا دمشق ، وما بقي بعد حلب ولاية أخرى ؛ لأنه في الوقت الفلاني حضر إلى الجامع الأموي فلان الصالح ، فترددت إليه وخدمته ، وطلبت منه التسليك ، فأمرني بالصوم مدة ، ثم أمرني بصيام ثلاثة أيام ، أظنه قال لي : أفطر فيها على الماء واللبان الذكر ، وكان آخر ليلة في الثلاث ليلة النصف من شعبان ، فقال لي : الليلة تجيء إلى الجامع تتفرج ، أو تخلو بنفسك ، فقلت : بل أخلو بنفسي ، فقال : جيد ، ولا تزال تصلّي حتى أجيء إليك ، قال : فخلوت بنفسي أصلّي ، كما وقفني ساعة جيدة ، فلما كنت في الصلاة إذا به قد أقبل ، فلم أبطل ، ثم إنني خيّل لي قبة عظيمة بين السماء والأرض ، وظاهرها معارج ومراقي ، والناس يصعدون فيها من الأرض إلى السماء ، فصعدت معهم ، فكنت أرى على كل مرقاة مكتوبا : نظر الخزانة ، وكالة بيت المال ، نظر المارستان النووي ، التوقيع المدرسة الفلانية ، المدرسة العلانية ، قضاء حلب هذا أعلى المراقي المفرقة ، ولما وصلت إلى هذه المرقاة أشفقت من هذه الحالة ، ورجعت إلى حسي ، وبتّ ليلتي ، فلما اجتمعت بالشيخ قال لي : كيف كانت ليلتك ؟ جئت إليك وما قصّرت ؛ لأنك ما اشتغلت بي ، والقبة التي رأيتها هي الدنيا والمراقي هي المراتب والوظائف والأرزاق ، وهذا الذي رأيته تناله كله ، واللّه يا عبد الرحمن ، وكل شيء رأيته قد نلته ، وكان آخر الكل قضاء حلب ، وقد قرب الأجل ، أو كما قال . وكان الشيخ كمال الدين - رحمه اللّه تعالى - كثير التخيّل شديد الاحتراز ، يتوهّم أشياء بعيدة ، ويبني عليها ، وتعب بذلك ، وعادى أصحابه وحسد ، وعمل عليه مرات ، ونجّاه اللّه ببركات العلم ، وطار ذكره ، ورماه الناس أنه يؤذي أصحابه حتى قال فيه صدر الدين بن الوكيل ، ما أنشدنيه من لفظه القاضي علم الدين إبراهيم بن سليمان المستوفي ، قال : أنشدني من لفظه لنفسه الشيخ صدر الدين بن الوكيل : ( الوافر ) طباع الزّملكيّ لها مثال * كعقرب أخفيت في البيت معنا فما مرّت بشيء قطّ إلا * وتضربه سريعا لا لمعنى ولقد رأيته مرة في الظاهرية ، وفي يده قائمة الحساب ، وهو يساوق المباشرين على المصروف ، فيسبقهم إلى الجمع وعقد الجملة ، ويبقى ساعة ينتظرهم ، إلى أن يفرغوا ، فيقول : كم جاء معكم ؟ فيقولون : كذا وكذا ، فيقول : لا ، فيعيدون الجمع إلى أن يصح . ومرض مرة بالماشرا ، وكان يعوده ؛ لعلاجه من جملة الأطباء أمين الدين رئيس الأطباء ، فخرج يوما من عنده ، وقال : اللّه لا يعافي هذا الشيخ كمال الدين ، قالوا له : لأي شيء ؟ قال : حتى يطول علاجنا له واجتماعنا به ؛ لأننا نسمع منه أسماء أعضاء ما كنا